أمسودّعتُ أمّ كلتوم (بالتاء) بعد أن سمعتها تقول: ألَمْ ألم. نظرتُ إلى عينيها الغائرتين قليلا ثمّ تحركَتْ شفتاي ب"أحبّك".

تركتُ بيتَنا الأرضيَّ وعيناي على ضوء ضئيل ظلََّ يغمز بنظام، ضوءٌ شاحب في الكون الواسع، كان علامتي التي اخترتُ أن أستدلَّ بها بين عموم المُحلِّقين الآخرين المزدحمين هناك عاليا عند فَمِ السماء، ليَنالوا تأشريات التحليق من عسْكر الفضاء الذين اصطفّوا على المشارف منتعلين الغيم، تعلُوا رؤوسَهم طرابيشُ عليها رسوم غريبة.

تحيّنتُ كثيرا حتى أجتازَ جدار "الخوف" على غفلة من الجند، فطِرت وطويت الكون خلفي، وتسارعتِ الأشياء والغبارُ من حولي. كنتُ أحرص أن أتذكر العلامات التي تطفوا على جنبات الطريق.

إنعطفتُ عند آخر مَطبٍّ على مسافة خمسٍ وستّينَ مِليونًا من سنوات الضوء حيث تنتهي الطريق إلى الذي ما عاد يبدوا ضئيلا شاحبا. إلتفتُّ عنده إلى بيتنا الأرضي، فلم أرَ بُرج باريس، ولا القبّةَ الذهبيةَ المحدّبةَ في أرض الميعاد ولا أهرامَ الجيزة، لم أرَ حقول الرموز الغريبة ولا رأيت المصانعَ التي ٱتخذها البشر للخلود. عند تلك المسافة، رأيت ديناصورات. هل ترَيْن؟

نظرتُ إلى أم كلتوم بين غفوتين، فهزّت رأسها بالإيجاب، فضحِكنا ونِمنا.

Writings
كتابات